أبو الليث السمرقندي

261

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم أخبر عزّ وجلّ أن النصرة من عند اللّه كلها ، فقال تعالى : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يقول إن يمنعكم اللّه فَلا غالِبَ لَكُمْ من العدو يعني يوم بدر وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ يعني يوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي : يمنعكم من عدوكم وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي : فليتّق الواثقون في النصرة ويقال : على المؤمنين أن يتوكلوا على اللّه ، لأنهم عرفوا أنه لا ناصر لهم غيره . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 161 إلى 163 ] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) قوله تعالى : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم : يغل بنصب الياء . وقرأ الباقون : يغل بضم الياء ونصب الغين . فمن قرأ بالنصب معناه : وما كان لنبي أن يخون في الغنيمة ، ومن قرأ بالضم فمعناه : لا ينسب إلى الغلول . وذلك أنه لما كان يوم أحد أخذوا في النهب والغارة وتركوا القتال ، وخافوا أن تفوتهم الغنيمة ، وظنوا أن من أخذ شيئا يكون له ، وأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لا يقسم لهم ، فنزلت هذه الآية : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يقول : ما جاز لنبيّ أن يخون في الغنيمة ، وما جاز لأصحابه أن ينسبوه إلى الخيانة وَمَنْ يَغْلُلْ أي يخن في الغنيمة يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني يحمله على ظهره . وهذا كما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لأعرفنّ أحدكم يوم القيامة يأتي على عنقه شاة لها ثغاء ، فيقول : يا محمّد فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا » يريد أن من غل شاة أو بقرة ، أتى بها يوم القيامة يحملها . ويقال : من غلّ شيئا في الدنيا ، يمثل له يوم القيامة في النار ، ثم يقال له : انزل إليه فخذه ، فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله ، فكلما انتهى به إلى الباب سقط منه إلى أسفل جهنم ، فيرجع فيأخذه فلا يزال كذلك ما شاء اللّه . ويقال : يَأْتِ بِما غَلَّ يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول ، ويقال هذا على سبيل التمثيل يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي بوباله ، فيكون وباله على عنقه كما قال في آية أخرى : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [ الأنعام : 31 ] . ثم قال تعالى : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ أي توفى وتجازى كل نفس ما عملت من خير أو شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ قال الكلبي : يعني أفمن أخذ الحلال من الغنيمة كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ يعني : كمن استوجب سخطا من اللّه بأخذ الغلول من الغنائم . ثم بيّن مستقر كل من غل يوم القيامة ومن أخذ من الحلال ، فقال لمن غل : وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الذي صاروا إليه يعني النار .